الرئيسية الريادة الخلاف المستمر حول العمل عن بعد: هل من حلّ وسط؟

الخلاف المستمر حول العمل عن بعد: هل من حلّ وسط؟

دراساتٌ حديثةٌ تؤكّد أنّ أدوات المراقبة الإلكترونيّة تضرّ بالإنتاجيّة، بينما يُعدّ الحوار المباشر الطريقة الأكثر فعاليّةً لتعزيز أداء الموظّفين عن بعد

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

منذ أن تسبّبت جائحة كوفيد-19 في زعزعة أنماط العمل التّقليديّة قبل نحو خمس سنواتٍ، بقيت مسألةٌ واحدةٌ ثابتةٌ: الجدل المستمرّ حول العمل عن بعدٍ.

يرى أرباب العمل أنّ العمل من المنزل قد يؤدّي إلى التّراخي، ففرض بعضهم أدوات مراقبةٍ إلكترونيّةً متطفّلةً، بينما أصدر آخرون قراراتٍ صارمةً تجبر الموظّفين على العودة إلى المكاتب. في المقابل، يتمسّك الموظّفون بحقّهم في تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة الشخصية، ما يجعلهم يشعرون بالاستياء، بل قد يدفعهم ذلك أحياناً إلى التّمرّد. وأظهرت دراسةٌ حديثةٌ أجراها موقع "غلاسدور" (Glassdoor) أن عدداً كبيراً من الموظّفين يفكّرون في "الاستقالة الانتقاميّة" رغم التّحدّيات الاقتصاديّة المقبلة.

وسط هذه النّزاعات، لا يوجد طرفٌ رابحٌ؛ الجميع يعانيلكن، هل يمكن إيجاد حلٍّ وسطٍ يرضي الطّرفين؟ وفقاً لدراسةٍ حديثةٍ أجراها فريقٌ من أساتذة كلّيات العمل، الحلّ يكمن في أن يتعلّم أرباب العمل كيفيّة مراقبة الموظّفين عن بعدٍ بطرقٍ أكثر فعاليّةً وأقلّ تدخّلاً.

العمل عن بعد لن يختفي

على الرّغم من محاولات بعض الجهات للحدّ من العمل عن بعد، مثل قرارات شركة "أمازون" (Amazon) والحكومة الفيدراليّة الأمريكيّة بإلزام الموظّفين بالعودة إلى المكاتب، والهجوم اللّاذع الّذي شنّه رئيس بنك "جي بي مورجان تشيس" (JPMorgan Chase)، جيمي دايمون، إلّا أنّ العمل عن بعد لا يُظهر بوادر تراجعٍ كبيرةً.

وفقاً لخبير العمل عن بعد في "جامعة ستانفورد" (Stanford University)، نيك بلوم، فإنّ نسبة العاملين من المنزل قد انخفضت كثيراً مقارنةً بذروتها في عام 2020، لكنّها استقرّت في الفترة الأخيرة. وأوضح أنّ البيانات الحديثة الصّادرة عن "مكتب الإحصاء الأمريكيّ" (United States Census Bureau)، لم تعدّ تتراجع بشكلٍ كبيرٍ، بل أصبحت في مرحلة استقرارٍ. كما أنّ مؤشرات النّقل والعقارات تدعم نفس النّتيجة، حيث يظهر أنّ العمل عن بعد الجزئيّ سيظلّ قائماً لجزءٍ كبيرٍ من القوّات العاملة، أمّا التّقارير الّتي تدعي خلاف ذلك، فيؤكّد بلوم أنّها قائمةٌ على انتقاء البيانات أو تحريفها، ولا تعكس الواقع الحقيقيّ.

يرفض الموظفون عن بعد المراقبة المتطفلة

يبدو أنّ أرباب العمل لن يتمكّنوا من إجبار الموظّفين على العودة إلى المكاتب خمسة أيّامٍ في الأسبوع مجدّدّاً؛ لذلك يتّجه الكثير منهم إلى بديلٍ آخر: أدوات المراقبة الإلكترونيّة الّتي تتبع ضغطات المفاتيح، ونقرات الفأرة، واستخدام الإنترنت.

وفقاً للدّراسة الّتي أجراها خمسةٌ من أساتذة كلّيات العمل، فإنّ 80% من الشّركات تستخدم فعلاً أدوات المراقبة هذه، ورغم أنّها قد تمنح المدراء إحساساً بالتّحكّم، إلّا أنّ الباحثين يحذّرون من تداعياتها السّلبيّة.

تشير الأبحاث إلى أنّ المراقبة الافتراضيّة قد تضعف الأداء، وتضرّ بعلاقة المشرفين بالموظّفين، بل وقد تؤدّي إلى سلوكيّاتٍ غير منتجةٍ، مثل تصفح الإنترنت بلا هدفٍ، أو التّأخير في تنفيذ المهامّ، أو حتّى ما يعرف بـ "سرقة الوقت"، أي تضييع ساعات العمل في أمورٍ غير متعلّقةٍ بالوظيفة. ويؤكّد الباحثون في تقريرهم المنشور بمجلة "هارفارد بزنس ريفيو" (Harvard Business Review) أنّ هذه الأدوات قد تكون سبباً في تراجع أداء الموظّفين، وزعزعة ثقتهم في مكان العملوتصبح هذه التّأثيرات السّلبيّة أكثر وضوحاً في الوظائف الّتي تعتمد على الإبداع والتّفكير المعقّد، مثل: الهندسة، والتّخطيط الاستراتيجيّ، والتّصميم.

ما الحل الأمثل لمراقبة الموظفين عن بعد؟

قد يعترض بعض المدراء قائلين: "نحن لا نرغب في التّجسس على موظّفينا، لكنّا لا نستطيع السّماح لهم بالعمل من أسرّتهم دون أيّ رقابةٍ، فلا خيار أمامنا سوى المراقبة الإلكترونيّة".

لكن الباحثين يردّون: هناك خيّارٌ آخر أكثر فعاليّةً.. حيث كشفت دراستهم الّتي شملت أكثر من 1,100 موظّفٍ في الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة عن أفضل طريقةٍ لمتابعة الموظّفين عن بعد، أطلقوا عليها اسم "المراقبة التّفاعليّة". ببساطةٍ، تعني هذه الطّريقة التّواصل المباشر مع الموظّفين كأفرادٍ ناضجين، بدلاً من معاملتهم كمسجونين تحت الرّقابة المستمرّة.

ويوضّح الباحثون أنّ المدراء الّذين يعتمدون هذا النّهج يجرون اجتماعاتٍ منتظمةً وهادفةً مع فرقهم، سواء عبر مكالماتٍ هاتفيّةٍ، أو اجتماعات فيديو، أو محادثاتٍ مباشرةٍ عبر تطبيقاتٍ مثل "سلاك" (Slack)، إذ توفّر هذه المحادثات فرصةً للموظّفين لمشاركة تقدّمهم، ومناقشة التّحديّات، والتّنسيق بشأن الأهداف، ممّا يحسّن مستوى الثّقة والأداء العامّ.

هل يعني ذلك زيادة الأعباء على المدراء؟ ربّما. لكن هل يمكن أن يؤدّي هذا الأسلوب إلى إنهاك الموظّفين من كثرة المتابعة؟ بالتّأكيد. ومع ذلك، يؤكّد الباحثون أنّ فوائد التّواصل المستمرّ تفوق عيوبه، فعندما يتم التّواصل بذكاءٍ، يصبح الموظّفون أكثر استعداداً لمشاركة أفكارهم ومخاوفهم، ويشعرون بثقةٍ أكبر في قيّادتهم. وبالتّالي، تزيد إنتاجيّتهم وإبداعهم، ممّا يحقّق فائدةً متبادلةً للطّرفين.

هل حان وقت التخلص من أدوات المراقبة الإلكترونية؟

الرّسالة الأساسيّة واضحةٌفي الوظّائف المعقّدة والإبداعيّة، ينصح بالتّخلي عن أدوات المراقبة الإلكترونيّة الّتي تُثير استياء الموظّفين، واستبدالها بأسلوب المراقبة التّفاعليّة عبر الحوار المباشر. قد تبدو هذه الفكرة بسيطةً، لكنّها تحظى بدعمٍ قويٍّ من الأدلة والبحوث، وتُظهر تأثيراً إيجابيّاً على معنويّات الفرق وأدائهم.

الخلاصة: أصبح العمل عن بعد واقعاً لا يُمكن إنكاره، ورغم مخاوف أرباب العمل، فإنّ استخدام المراقبة المفرطة قد يأتي بنتائج عكسيّةٍ. والحلّ الأكثر فعاليّةً هو التّواصل الفعّال مع الموظّفين، ممّا يساعدهم على الشّعور بالاندماج والثّقة، ويدفعهم إلى تحقيق نتائج أفضل، بدلاً من التّجسس، فربّما يكون الحديث معهم هو المفتاح.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
آخر تحديث:
تاريخ النشر: