شريك لا يقدر بثمن: الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف أسس الابتكار!
لا تقتصر أدوات الذكاء الاصطناعي على تقديم المساعدة فحسب، بل تعمل على تسريع العمليّات، وتعزيز منهجيّات العمل، وتحويل الطّريقة التي نفكّر ونبتكر بها

على مدار ما يقارب عشرين عاماً قضيته في مجال الابتكار داخل كبرى شركات السّلع الاستهلاكيّة المدرجة في قائمة "فورتشن 500" (Fortune 500) شهدت ظهور العديد من الأساليب اللّامعة الّتي تعدّ بإحداث ثورةٍ في الابتكار، ولكنّها كانت تأتي وتذهب. ومن بين هذه الأساليب نذكر: أبحاث المستهلك القائمة على الألعاب، ومنصّات تبادل رؤى المستهلكين، والأساليب غير المتزامنة. وبعضها أثبت فعاليّته واستمرّ، وبعضها الآخر لم يصمد أمام التّجربة.
أمّا اليوم، تمثّل أدوات الذكاء الاصطناعي أحدث القوى المزعزعة لهذا القطّاع، وهي لا تقدّم وعوداً فحسب، بل تفي بها فعلاً، من خلال توفير الوقت وتقليل الجهد في عمليّات التّحليل. لقد خضنا تجاربنا مع أدوات ذكاء اصطناعي سيّئةٍ، وأخرى جيّدةٍ، وبعضها رائعٌ بحقٍّ. لكن ما يدهشنا حقّاً هو أنّ هذه الأدوات لم تقتصر على المساعدة، بل بدأت تُعيد تشكيل طريقة عملنا بالكامل: تعزّز منهجيّاتنا، وتسرّع دورة الابتكار، وتمنح عملاءنا رؤىً مبتكرةً أسرع من أيّ وقتٍ مضى. إذ لا تساعدنا الأدوات الصّحيحة فقط، بل تضاعف فاعليّتنا.
الذكاء الاصطناعي: شريك لا يقدر بثمن في البحث
رغم أنّ الجميع يتحدّث اليوم عن الذكاء الاصطناعي التوليدي، إلّا أنّه لا ينبغي إغفال القوّة الكبيرة لمعالجة اللّغة الطّبيعيّة (NLP). في "ميشن فيلد" (Mission Field)، لاحظنا أنّ معالجة اللّغة الطّبيعيّة قادرةٌ على استخراج رؤى ثريّةٍ من كميّاتٍ ضخمةٍ من بيانات المستهلك خلال أيّامٍ فقط، بدلاً من الأسابيع الّتي كانت تستغرقها الطّرق التّقليديّة. ومهما حاولنا أن نكون حياديّين في تحليلنا للمعلومات النّوعيّة، فإنّنا كبشرٍ نمتلك نقاطاً عمياء قد تفقدنا بعض الرّؤى الدّقيقة. وهنا يأتي دور أدوات معالجة اللّغة الطّبيعيّة، إذ تساعدنا على تجاوز هذه الحواجز غير المرئيّة الّتي قد لا نلاحظها أصلاً.
عندما تجتمع التقنية بالخبرة البشرية
يخلق دمج أدوات معالجة اللّغة الطّبيعيّة مع خبرة الباحثين حلقة تغذيةٍ راجعةٍ بالغة القوّة: ترصد التّكنولوجيا الأنماط؛ فيتولّى الباحثون البشر تحليلها والتّعمّق فيها، ما يقود إلى رؤىً أسرع وأكثر حدّةً ودقّةً. إذ أصبح بإمكاننا تحليل عددٍ يفوق عشرة أضعافٍ من الاستجابات المفتوحة للمستهلكين في نفس المدّة الزّمنيّة، دون المساس بجودة النّتائج.
صحيحٌ أنّ أدوات الذكاء الاصطناعي ليست خاليةً من العيوب، لكنّها كلّما استخدمت أكثر، زادت فرص تسريع العمليّات أو تبسيطها. على سبيل المثال، استخدمنا الذكاء الاصطناعي لتسريع عمليّاتنا الدّاخليّة، وعايشنا بأنفسنا كيف يمكن لهذه الأدوات أن تُعيد تعريف طريقة العمل. إذ رغب أحد عملائنا في تسريع تطوير منتجه الجديد، فاستطعنا -بفضل الذكاء الاصطناعي- تقليص فترة التّطوير من ثلاثة أشهرٍ إلى ما بين أربعةٍ وخمسة أسابيع فقط.
ولك أن تتخيّل أيضاً أنّ العمل "الإثنوغرافي" (Ethnographic)، والّذي كان يستغرق ما بين أربعةٍ إلى ستّة أسابيع -من عمليّة التّوظيف، وكتابة دليل المناقشة، وإجراء المقابلات، وتلخيص النّتائج- بات بإمكاننا تنفيذه باستخدام الذكاء الاصطناعي على نطاقٍ واسعٍ. خمسون دراسةً إثنوغرافيّةً للمستهلكين يمكن الآن تسجيلها بالفيديو، وتحليلها، وتلخيصها خلال ثماني ساعاتٍ فقط. صحيحٌ أنّ ليس كلّ استنتاجٍ يكون "ضربة معلمٍ"، لكن عدداً كافّياً منها يغيّر قواعد اللّعبة فعلاً، ممّا يجعل الاعتماد على هذه التّقنيّة مجدياً جدّاً؛ وهذا يمنحنا وقتاً أكبر للتّركيز على أهمّ مراحل التّحليل.
كيف تضاعف الخبرة البشرية قوة الذكاء الاصطناعي؟
قد يتبادر إلى ذهنك سؤالٌ مشروعٌ: "أليس استخدام الذكاء الاصطناعي محفوفاً بالمخاطر؟" فآخر ما تريده هو أن يقع منافسوك على بياناتك أو منهجيّاتك أو ابتكاراتك الخاصّة. دعني أكن واضحاً: سيكون رفض الذكاء الاصطناعي -بدعوى الخوف من هذه المخاطر- خطأً فادحاً، لا سما أنّ هناك خطواتٍ بسيطةً وفعّالةً يمكنك اتّخاذها لحماية بياناتك الحسّاسة أثناء استخدام هذه الأدوات.
في ميشن فيلد، نعتمد على منهجيّاتٍ دقيقةٍ لتقليل هذه المخاطر، من بينها إزالة جميع المعلومات الّتي تعرّف العملاء، واستخدام أسماء مستعارةٍ للفئات والمزايا الخاصّة بالمنتجات، بالإضافة إلى حذف أيّ منهجيّةٍ ملكيّةٍ قبل إدخال البيانات في أيّ أداةٍ من أدوات الذكاء الاصطناعي. كما أنّنا نستخدم أدواتٍ مغلقةً تضمن عدم مشاركة معلومات عملائنا في النّطاق العامّ. بهذه الطّريقة، نتمكّن من الاستفادة الكاملة من قدرات الذكاء الاصطناعي، دون التّفريط فيما يجعلنا متميّزين.
تبلغ قوّة الذكاء الاصطناعي ذروتها حين تتكامل مع الخبرة البشريّة، إذ لا تأتي الرّؤى الأفضل من الذكاء الاصطناعي وحده، بل من دمج سرعته وقدرته على المعالجة الضّخمة مع الحسّ البشريّ العميق والتّفكير الاستراتيجيّ. ولهذا السّبب، نبدأ دائماً من تصميم البحث بعنايةٍ، ونستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز وتسريع مراحل التّنفيذ.
كذلك نعتمد على عمليّة تحقّقٍ دقيقةٍ من ثلاث مراحل لضمان جودة النّتائج: أوّلاً، التّحقّق من مصادر البيانات، ثمّ فحصها بالمراجع المتقاطعة، وأخيراً مراجعتها من قبل خبراء بشريّين. إذ يضمن لنا هذا النّهج أن تكون كلّ معلومةٍ صادرةٍ دقيقةً وموثوقةً وجاهزةً للتّطبيق الفوريّ.
لحظة تحوّل كبرى للمبتكرين
مؤخّراً، قال سام ألتمان -الرّئيس التّنفيذيّ لشركة "أوبن إيه آي" (OpenAI)- قولاً لافتاً: "بدأ أساتذتي في حظر استخدام غوغل؛ لأنّهم رأوا أنّه إذا كان بإمكانك ببساطةٍ البحث عن كلّ حقيقةٍ، فما فائدة حضور حصّة التّاريخ وحفظ المعلومات؟". وعند تأمّل هذه المقولة اليوم، يتضّح لنا كم كان هذا الرّأي قاصراً.
لم تكن المهارة الحقيقيّة يوماً في الحفظ، بل في القدرة على طرح الأسئلة الذّكيّة، وتجميع وتحليل الرّؤى المستندة إلى الذكاء الاصطناعي. الآن، أصبح بإمكان أيّ شخصٍ الوصول إلى بعضٍ من أقوى أدوات الذكاء الاصطناعي على الإطلاق، وهذا سيفتح الباب للمبتكرين بسرعةٍ إلى منطقة تفوّقٍ غير عادلٍ.
نحن لا نتحدّث هنا عن تطوّرٍ تدريجيٍّ بطيءٍ، بل عن تحوّلٍ جذريٍّ في طريقة العمل والإبداع والابتكار؛ إنّه وقتٌ يفرض علينا تبنّي أسلوبٍ أكثر مرونةً وسرعةً في الاستجابة، وتوظيف الذكاء الاصطناعي كشريكٍ حقيقيٍّ في رحلتنا نحو المستقبل.