الرئيسية التنمية دروس من الزخرفة الإسلامية: الفن كخريطة لحياة متأنية

دروس من الزخرفة الإسلامية: الفن كخريطة لحياة متأنية

رحلة إبداعيّة خاضتها منار الهنائي، بدأت بالشغف وانتهت باكتشاف معنى الصبر والتّخطيط في زمن السّرعة، حيث تحوّلت الزخرفة الإسلاميّة إلى مرآةٍ لحياةٍ متأنّية

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

لطالما كان الفنّ جزءاً من حياتي، حتّى قبل أن أعمل في المجال الإبداعيّ. لطالما كان الإبداع القوّة الدّافعة لي، وخلال السّنوات الماضية، خضت تجارب مختلفةً في عالم الفنون، سواءً عبر التقاط صورٍ ساحرةٍ للطّبيعة الأوروبّيّة بعدستي، أو تصميم أزيائي الخاصّة، أو تعلّم فنّ الرّسم الزّيتيّ على يد أحد كبار الرّسّامين الصّينيّين. لكلّ وسيلة تعبيرٍ فنّيٍّ سحرها الخاصّ، وطريقتها الفريدة في مساعدتي على فهم نفسي والعالم من حولي. من هنا، وبإلهامٍ من شغف والدي بفنّ الخطّ والزّخرفة الإسلاميّة، قرّرت الالتحاق بدورةٍ لتعلّم الأنماط الهندسيّة الإسلاميّة، إذ كنت متحمّسةً لإتقان فنّ رسم تلك الأنماط المعقّدة الّتي طالما أدهشتني في العمارة الإسلاميّة. 

ورغم أنّني كنت أعلم أنّ تصميم الأنماط الهندسيّة الإسلاميّة ليس أمراً سهلاً، إلّا أنّني ظننت في البداية أنّه سيكون تجربةً سلسةً بالنّسبة لي، خاصّةً بعد سنواتٍ من ممارسة فنونٍ متعدّدةٍ، من الرّسم إلى التّصوير والتّصميم. لكن سرعان ما اكتشفت أنّني كنت مخطئةً تماماً. 

لم أكن أتوقّع أن يتطلّب هذا الفنّ تركيزاً وصبراً يفوق أيّ شكلٍ فنّيٍّ آخر مارسته من قبل. كانت الدّقّة جوهر العمليّة، حيث لم يكن الأمر مجرّد رسم أشكالٍ هندسيّةٍ، بل كان يتطلّب تخطيطاً استراتيجيّاً لكلّ خطوةٍ، بعنايةٍ فائقةٍ. كنت أتعامل مع لوحتي وكأنّها خريطةٌ، أضع فيها كلّ تفصيلةٍ بدقّةٍ، وأحسب كيف ستتداخل الأشكال الهندسيّة لتكوّن الصّورة الكاملة. لم يكن هناك مجالٌ للأخطاء، فخطٌّ واحدٌ في غير موضعه قد يفسد التّصميم بالكامل، ويجبرني على البدء من جديدٍ. 

مع مرور الوقت، بدأت أدرك أوجه التّشابه بين إنشاء هذه الأنماط الهندسيّة والسّعي لتحقيق الأهداف في حياتنا. فكلاهما يتطلّبان الدّقّة، والرّؤية الواضحة، والتّخطيط بعيد المدى. عندما أنظر إلى الوراء الآن، أجد أنّ التّجربة كانت أكثر من مجرّد استكشافٍ فنّيٍّ، بل كانت درساً في أهمّيّة التّخطيط طويل الأمد. 

حين دخلت عالم الإبداع كمتخرّجةٍ شابّةٍ، كنت متحمّسةً، وربّما أكثر ممّا ينبغي، لرؤية نتائج سريعةٍ. كنت أندفع لتحقيق الإنجازات، وأواصل التّقدّم دون أن أفكّر دائماً في العواقب طويلة الأمد لقراراتي. ونتيجةً لذلك، وقعت في أخطاء كان يمكن تجنّبها لو أنّني أخذت الوقت الكافي للتّخطيط المدروس، والنّظر إلى "المخطّط العامّ" لحياتي. لم أكن قد استوعبت بعد أهمّيّة الاستراتيجيّة، أو أنّ النّجاح الحقيقيّ يبنى قطعةً تلو الأخرى، تماماً كما هو الحال في الأنماط الهندسيّة الإسلاميّة. ولم أبدأ في تحقيق التّقدّم الفعليّ إلّا عندما توقّفت، وأعدت ضبط طريقة تفكيري، وبدأت أفكّر على المدى الطّويل. 

في عالم اليوم السّريع الإيقاع، يكون الإلحاح على الاستعجال حاضراً دائماً. حتّى بعد سنواتٍ من العمل في المجال الإبداعيّ، لا تزال تراودني تلك الرّغبة أحياناً. فوسائل التّواصل الاجتماعيّ تمجّد ثقافة "الاندفاع والإنجاز السّريع"، وككثيرٍ من أبناء جيلي، كنت أشعر بضغط تحقيق إنجازاتٍ كبرى قبل سنّ الثّلاثين. ولكن بمرور الوقت، أدركت أنّ الإتقان الحقيقيّ لا يأتي إلّا عبر عمليّةٍ بطيئةٍ ومدروسةٍ. فالأمر يتعلّق بالاهتمام بالتّفاصيل، ووضع رؤيةٍ واضحةٍ للمستقبل، وفهم أنّ كلّ قرارٍ صغيرٍ اليوم يسهم في رسم الصّورة الكاملة للغد. 

أدركت هذا الأمر بوضوحٍ أثناء تعلّمي لفنّ الزّخرفة الإسلاميّة. على عكس الضّغط المستمرّ الّذي نشعر به غالباً بسبب وتيرة الحياة الحديثة، لم تكن هناك مواعيد نهائيّةٌ صارمةٌ. بل على العكس، كان "التّأنّي" جزءاً من العمليّة، ليس فقط مقبولاً، بل محتفىً به. وبالنّسبة لي، كشخصٍ اعتاد على تحدّي نفسه بمواعيد نهائيّةٍ صارمةٍ، كان ذلك شعوراً غريباً في البداية، وكأنّني دخلت أرضاً مجهولةً. ولكن مع مرور الوقت، بدأت أدرك القيمة الحقيقيّة لهذا النّهج. 

ما تعلّمته من دراسة الأنماط الهندسيّة الإسلاميّة هو أمرٌ أؤمن بأنّ الجميع بحاجةٍ لتذكّره: النّجاح لا يعني الوصول إلى خطّ النّهاية بسرعةٍ، بل بناء شيءٍ يدوم. سواءً كنت تبدع فنّاً، أو تبني مشروعاً، أو تعمل لتحقيق هدفٍ شخصيٍّ، فإنّ المبدأ هو ذاته. وكما هو الحال في الفنون الإسلاميّة، هناك جمالٌ خاصٌّ في الأسلوب المنظّم، في الخطوات الصّغيرة المدروسة الّتي تنتج في النّهاية شيئاً ذا معنىً وقيمةٍ. 

لذا، لكلّ من يسعى لتحقيق أهدافه، تذكّر أنّ النّجاح نادراً ما يكون وليد اللّحظة. كما هو الحال في الأنماط الإسلاميّة المعقّدة، كلّ قرارٍ تتّخذه اليوم هو جزءٌ من الصّورة الأكبر. لا تستعجل النّتائج، بل استمتع بالرّحلة، وكن واثقاً بأنّ التّركيز، والصّبر، والرّؤية المستقبليّة، ستقودك في النّهاية إلى تحفةٍ فنّيّةٍ تستحقّ الانتظار. 

السيرة الذاتية للمؤلف 

منار الهنائي كاتبة وصحفية حائزة على عدة جوائز، ومستشارة في مجالات الثّقافة والإبداع والتّواصل الاستراتيجيّ.  

نُشرت هذه المقالة لأول مرة في عدد يناير/فبراير من مجلة "عربية .Inc". لقراءة العدد كاملاً عبر الإنترنت، يُرجى النقر هنا.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
آخر تحديث:
تاريخ النشر: