سؤال من 5 كلمات يساعدك على التفكير بذكاء فعال
يسهم التّوازن بين المنطق والعاطفة في اتّخاذ قراراتٍ صحيحةٍ، دون أن تضرّ بعلاقاتك المهنيّة أو تؤثّر على مستقبلك الوظيفيّ

تواصل معي صديقٌ الأسبوع الماضي بشأن مشكلةٍ كبيرةٍ يواجهها. منذ عدّة أشهرٍ، بدأ يعمل في وظيفةٍ جديدةٍ، وفي الوقت نفسه كان يطوّر مشروعه التّجاريّ الخاصّ، وكان واضحاً لصاحب العمل منذ البداية أنّ نيّته هي ترك الوظيفة لاحقاً بمجرّد أن ينجح مشروعه.
وهنا تظهر المشكلة: يرغب صديقي في البدء بنشر المزيد من المحتوى المتعلّق بمشروعه على منصّة "لينكد إن" (LinkedIn)، لكنّه يخشى أن يغضب صاحب العمل الّذي قد يطّلع على هذه المنشورات، فقد قال لي: "أنا فقط لست متأكّداً من شعوره تجاه هذه المنشورات، وإن كانت ستجعل الأمور محرجةً في العمل أو ربّما تؤدي إلى مشاكل أكبر".
والجدير بالذكر أنّ صديقي يتمتّع بذكاءٍ حادٍّ وقدرةٍ فائقةٍ على فهم مشاعر الآخرين، فقد تعلّمت منه الكثير على مرّ السّنين؛ لذلك قدّرت حقّاً أن يلجأ إليّ هذه المرّة. قبل لقائنا، قرّرت تجربة إطار عملٍ جديدٍ كنت أختبره مع عملائي، وهو مستوحىً من نصيحةٍ تلقّيتها منذ زمنٍ بعيدٍ. وما يميّز هذا الإطار هو سهولة تذكّره، فهو يعتمد على سؤالٍ من 5 كلماتٍ فقط، ولكنّ أثره كبيرٌ ومفيدٌ للغاية. والسّؤال هو: ما هي النصيحة التي ستقدّمها؟
فلماذا يعتبر هذا السّؤال ذا قيمةٍ كبيرةٍ؟ وكيف يمكنه مساعدتك على التّفكير بوضوحٍ في المواقف العاطفيّة واتّخاذ قراراتٍ أفضل؟ دعنا نتعمّق في هذا الموضوع أكثر.
الموازنة بين المنطق والعاطفة
خلال لقائنا، قُلتُ لصديقي: "دعنا نتخيّل أنّنا انتقلنا بعض السّنين إلى المستقبل، سيصبح مشروعك التّجاريّ ناجحاً ومزدهراً، وفي ذلك الوقت سيأتيك شخصٌ يواجه نفس التّحدّي الّذي أخبرتني عنه الآن، ثمّ تكرّر السّؤال: "ما هي النّصيحة الّتي ستقدّمها له؟"
يكمن سرّ هذا الإطار في قدرته على مساعدتك في الابتعاد عن ضغوط المواقف العاطفيّة، ممّا يمكّنك من مزج التّفكير المنطقيّ مع التّفاعلات العاطفيّة بشكلٍ متوازنٍ. فكأنّك تشاهد مباراة شطرنجٍ: من السّهل رؤية الخطوة الصّحيحة عندما تراقب لاعباً آخر، بينما قد تغمرك المشاعر عندما تكون أنت المتحكّم، ممّا يؤدّي إلى ارتكاب أخطاءٍ تبدو سخيفةً عند النّظر إليها من خارج المواقف.
وبنفس الطّريقة، عندما تواجه موقفاً مشحوناً بالعواطف، قد تطغى الانفعالات على حكمك، وتجعلك تتّخذ قراراتٍ تندم عليها لاحقاً، وهنا عندما تسأل نفسك "ما هي النّصيحة الّتي كنت سأقدّمها؟"، فإنّك تخرج نفسك من دوامة المشاعر، وتمنح نفسك فرصةً للتّفكير بوضوحٍ وعدم تحيزٍ.
التفكير الواضح واتخاذ قرارات سليمة
لا تسيئوا فهمي، فالمقصود ليس إزالة العاطفة تماماً من معادلة اتّخاذ القرار، بل هو إيجاد التّوازن المثاليّ بين التّفكير المنطقيّ والتّفاعلات العاطفيّة. ومن المهمّ أن تعلم أنّ هذا الإطار قد لا يوفّر حلّاً فوريّاً دائماً، ولكنّه يعمل نقطة انطلاقٍ لتوليد الأفكار والحلول البديلة.
عندما تتعاون مع زميلٍ يتمتّع بذكاء عاطفيٍّ أو مع مدرّبٍ أو مرشدٍ، فإنّ طرح هذا السّؤال غالباً ما يؤدّي إلى نقاشٍ بنّاءٍ يكشف عن بياناتٍ ورؤىً قيّمةٍ تساعدك على التّعامل مع المواقف المستقبليّة. كما عبّر صديقي فيما بعد قائلاً: "إنّه يساعدك على تحديد ما يجب أن تعطيه اهتمامك وما يجب أن تتجاهله".
في النّهاية، قرّر صديقي أن يركّز جهوده على بناء علاقةٍ قويّةٍ مع صاحب عمله الحاليّ. وبدلاً من مفاجأة مديره أو وضعه في موقفٍ غير متوقّعٍ، اختار أن يتصرّف معه بشكلٍ مباشرٍ وبنّاءٍ، ممّا مكّنه من تحويل المواقف إلى جسرٍ من التّواصل والثّقة بدلاً من خلق الحواجز.
وقد يتحوّل صاحب العمل، إذا استمرّ صديقي في إدارة الأمور بشكلٍ حكيمٍ، إلى عميلٍ لمشروعه التّجاريّ يوماً ما؛ هذه هي قوّة الأطر المبنيّة على الذكاء العاطفي، فهي تساعدك على إيجاد توازنٍ بين العاطفة والمنطق، ممّا يمكّنك من اتّخاذ قراراتٍ تساهم في تحقيق أهدافك بدلاً من أن تعيق تقدّمك، وهذا هو جوهر الذكاء العاطفي الحقيقيّ.