من الصمت إلى التأثير: كيف تسرق الأضواء في الاجتماعات؟
لحظةٌ واحدةٌ قد تحوّلك من مستمعٍ صامتٍ إلى متحدّثٍ يلفت الأنظار، فالتّوقيت الصّحيح واختيار الشّخصيّة المناسبة يصنعان الفرق داخل أيّ اجتماعٍ

كم من مرّةٍ وجدت نفسك في اجتماعٍ تعجّ أجواؤه بالكلام المتشابك، فلا تكاد تظفر بلحظةٍ لتُسمع صوتك، إذ تتدفّق الأحاديث دون انقطاعٍ، سواء داخل القاعة أو عبر "زوم" (Zoom)، وكأنّ الجميع يتحدّثون في آنٍ واحدٍ. وعلى النّقيض، لا يخلو الأمر من اجتماعاتٍ يخيّم عليها الصّمت فجأةً، حيث يتبدّد الصّخب الّذي كان يملأ المكان بلا جدوىً، تاركاً فراغاً ثقيلاً ينتظر من يجرؤ على كسره.
عندها ينبري أحدهم، بشجاعةٍ وجرأةٍ، ليُلقي بتصريحٍ يقلب مجرى الحديث رأساً على عقبٍ. في لحظةٍ، تتلاشى أهميّة كلّ المداخلات السّابقة، فتبدو ضيقة الأفق، باهتةً وسطحيّةً إلى حدّ الاستهتار. قد يكون هذا التّصريح نابعاً من بصيرةٍ نافذةٍ وحكمةٍ راسخةٍ، وقد لا يعدو كونه استثماراً ذكيّاً للحظةٍ، خاصّةً إذا كان في حضرة أحد المدراء أو الشّخصيّات النّافذة، بحثاً عن تأثيرٍ يدوم واهتمامٍ لا يخبو.
إن وجدت نفسك يوماً في خضمّ تلك اللّحظات الفارقة، تتساءل: كيف لي أن أكون صاحب الكلمة الّتي تغيّر مجرى الحديث؟ تكمن الإجابة في استلهام جوهر الشّخصيّات الّتي صاغها عالم النّفس كارل يونغ، والمعروفة بـ "النماذج الأصلية" (Jungian Archetypes). فهذه النّماذج ليست مجرّد تصنيفاتٍ نظريّةٍ، بل هي أنماطٌ متجذّرةٌ في وعي البشريّة، تتجلّى في الأدب والدّراما، وتشكّل لبنة كلّ حكايةٍ تُروى، بل إنّها تحضر حتّى في الاجتماعات، حيث تهيمن بعض الأصوات، وتصمت أخرى، ويصنع التّأثير بذكاءٍ أو بدهاءٍ.
غالباً ما تستخدم هذه النّماذج لمساعدة العلامات التجارية على تحديد هويّتها العامّة، لكنّها مفيدة أيضاً للأفراد داخل بيئة العمل. وفي هذا السّياق، سنركّز على خمسةٍ من هذه النّماذج: الحكيم، والشّخص العاديّ، والبطل، والمستكشف، والفكاهيّ؛ فلكلّ واحدٍ منها يمكنه أن يقلب الاجتماع لصالحك في حال استخدامه بالشّكل الصّحيح. وإليك كيف ذلك:
1. الحكيم
- العبارة المثاليّة: "كنت أستمع إليكم جميعاً بصمتٍ، واستناداً إلى خبرتي، أعتقد أنّكم كلّكم تغفلون عن الصّورة الكبيرة".
- لماذا هذا فعّالٌ؟ لا يقاطع المتحدّث هنا، أو يفرض نفسه، بل يظهر كالمفكّر العميق الّذي يتأمّل دون إثارة ضجيجٍ. فجأةً، ينظر إلى الّذين كانوا يهيمنون على الحديث كأنّهم يتحدّثون دون مضمونٍ، بينما تنجذب أنظار الجميع إلى هذا الشّخص الهادئ الّذي بدا سابقاً كأنّه غير مهتمٍّ. ولا يناسب هذا الدّور المبتدئين، بل يفترض أن يتولّاه شخصٌ صاحب خبرةٍ.
- الفائدة الحقيقيّة: غالباً ما تنزلق الاجتماعات سريعاً إلى تفاصيل تنفيذيّةٍ وتكتيكيّةٍ، وتفقد الصّلة مع الهدف الأكبر. حينما تعيد تركيز الحديث إلى "الصّورة الكبيرة"، فإنّك تحرّر المشاركين من التّفكير الضّيّق، وتعيد الحيويّة للاجتماع.
2. الشخص العادي
- التّصريح النّموذجيّ: "أعلم أنّني لا أمتلك نفس مستوى معرفتكم، وقد يبدو حديثي بسيطاً أو حتى ساذجاً، لكن دعوني أسأل: هل نعترف حقاً بعمق المشكلة؟ أم أنّنا نحاول تجميل المشهد بينما الأساس ينهار؟"
- لماذا هذا فعّالٌ؟ هذا النّموذج هو النّقيض للحكيم، ولكنّه لا يقلّ أهمّيّةً؛ فالمتحدّث هنا يضع نفسه في موقع المتسائل الصّادق، غير المتحيّز، والّذي يتحدّث لصالح المصلحة العامّة، والّذي يُراعي اختلاف مستويات الفهم، ويملك شجاعة طرح الأسئلة البديهيّة. كما قال سقراط: "الحكمة الحقيقيّة الوحيدة هي أن تعرف أنّك لا تعرف شيئاً".
- الفائدة الحقيقيّة: عندما يحتكر "لخبراء الحديث، نحتاج لمن يملك نظرةً جديدةً ونقيّةً لتغيير مسار النّقاش؛ فمن يعترف بجهله بطريقةٍ صادقةٍ يفتح الباب أمام تفكيرٍ جديدٍ، وكما تقول مجموعة "نادي الفكرة الكبيرة" (Big Idea Club): الأسئلة السّاذجة الكبيرة هي مفتاح الابتكار.
3. البطل
- العبارة المثاليّة: "دعونا نوقف لحظةً، ونسأل أنفسنا: هل القرار الّذي نأخذه اليوم سينظر إليه بعد سنواتٍ، لنقول أنّنا اخترنا الصّواب لصالح الشّركة؟"
- لماذا هذا فعّالٌ؟ فكرة البطولة متجذّرةٌ في ثقافتنا من القصص التّاريخيّة وحتّى أفلام مارفل؛ فهذا النّوع من الخطاب يجبر الجميع على التّوقّف، والنّظر إلى الأبعاد الأخلاقيّة والاستراتيجيّة للقرار. إنّه يخرج النّاس من التّفاصيل اليوميّة، ويعيد توجيه البوصلة نحو ما هو أهمّ.
- الفائدة الحقيقيّة: في أوقات الحيرة أو الضّغط، نحتاج لمن يذكّرنا بقيمنا الأساسيّة، ويعيدنا إلى المنظور الأشمل للقرارات.
4. المستكشف
- القول المثاليّ: "تفكيرنا ضيّقٌ جدّاً. نحتاج أن نفتح أعيننا، ونشاهد ما الّذي يحصل في القطّاعات الثّانية والصّناعات المختلفة".
- لماذا هذا فعّالٌ؟ يدرك رجال الأعمال تماماً أنّهم قد يصبحون سجّاناً في صناعتهم الخاصّة، ينغلقون على أنفسهم. ولكن عندما يقف شخصٌ، ويحثّ الفريق على التّوسّع في الرّؤية، لا يمكن لأحدٍ أن يعارض ذلك علناً.
- الفائدة الحقيقيّة: في عالمٍ شديد التّنافسيّة، غالباً ما يكون التّقدّم مرهوناً بالبحث خارج المألوف؛ فمن خلال هذا النّموذج، تفتح الأبواب أمام أفكارٍ جديدةٍ وفرص نموٍّ مبتكرةٍ.
5. الفكاهي
- التّصريح النّموذجيّ: "يذكّرني هذا النّقاش بنكتةٍ: كان رجلان يسيران في الغابة، فإذا بدبٍّ يظهر أمامهما. أسرع أحدهما بارتداء حذاء الرّكض، فقال له الآخر مستغرباً: "لن تجدي سرعتك نفعاً، فلن تسبق الدّبّ"؛ فأجابه بهدوءٍ: "لا حاجة لي بأن أسبقه، يكفيني أن أسبقك".
- لماذا هذا فعّالٌ؟ الفكاهة أداةٌ قويّةٌ في توصيل الحقائق، بل إنّها واحدةٌ من أنجح استراتيجيّات السّرد. على سبيل المثال، تُبرز هذه النّكتة نقطةً مهمّةً: في كثيرٍ من الأحيان، لا تحتاج أن تكون الأفضل في السّوق، بل يكفي أن تكون أفضل من منافسك الأقرب.
- الفائدة الحقيقيّة: إلى جانب كونها طريقةً محبوبةً لطرح الأفكار، فإنّ الفكاهة تزيل الحواجز بين الأشخاص، وتفتح المجال لعقلٍ أكثر انفتاحاً وإبداعاً.
شاهد أيضاً: كيف تجعل الفكاهة مكان العمل أكثر إبداعًا وراحة؟
الختام: الاجتماعات الّتي تفقد هدفها يمكن أن تستمرّ في الدّوران بلا جدوى. ولكن عندما تتبنّى نموذجاً من نماذج "يونغ" -ولو للحظةٍ واحدةٍ- فإنّك لا تكتفي بالمشاركة، بل تملك زمام النّقاش وتعيد توجيهه. لذلك، اختر الشّخصيّة المناسبة للحظة المناسبة، وستكتشف أنّك قادرٌ على إحياء أيّ اجتماعٍ، وتحقيق تأثيرٍ حقيقيٍّ يدوم.