ما وراء المال: بلال بلوش يجسّ نبض السّوق الإقليميّ
"نبحث عمّن يحلّون مشكلاتٍ حقيقيةً بتقنياتٍ قابلةِ للتّوسّع" — بلال بلوش الشّريك في شروق

يفصّل بلال بلوش، الشّريك في شروق الإماراتيّة، إحدى الشّركات المتعدّدة الأبعاد المعروفة برعايتها للمبادرات المبكّرة الّتي تواجه التّحدّيات الرّئيسيّة في المنطقة، قائلاً: "خلال السّنوات الأخيرة، اتّخذت شروق نهجاً يربط بين المشكلات المحلّيّة وطموحات الأسواقٍ العالميّةٍ؛ إذ صارت الشّركة تركّز على الشّركات النّاشئة الّتي تقرن بين الواقع المحلّيّ والأسواق الطّموحة. وقد انعكس هذا النّهج في استثمار شروق في قطاعاتٍ رائدةٍ كالتّكنولوجيا الماليّة، والخدمات اللّوجستيّة، وتكنولوجيا الغذاء، والزّراعة التّكنولوجيّة في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ فهذه الصناعات ليست مجرّد آليةٍ لمعالجة التّحدّيات الجوهريّة فحسب، بل تسهم أيضاً في إحداث تغييرٍ ذا أبعادٍ عميقةٍ".
يضيف بلوش: "لقد منحنا عام 2024 لمحةً واضحةً عن جوع المنطقة للابتكار، خاصّةً في المجالات الّتي تقدّم أثراً ملموساً في الحياة اليوميّة. وأشير إلى أنّ التّحوّلات الثّوريّة التي أتوقّع أن تتسارع في عام 2025 ستشمل تطوير البنية التّحتيّة الرّقميّة، وتعزيز دور الذّكاء الاصطناعيّ، إلى جانب تكنولوجيا المناخ ومفاهيم الاستدامة".
ويشير إلى أنّه قد لوحظ ارتفاعٌ في عدد الشّركات النّاشئة الّتي تستخدم الذّكاء الاصطناعيّ لتحقيق كفاءةٍ في جميع المجالات، من الخدمات اللّوجستيّة إلى تطوير خدمات العملاء؛ وهو ما يلبّي الحاجة الملحّة لعمليّاتٍ أذكى وأكثر انسيابيّةً، ممّا يؤدّي في النّهاية إلى تخفيض التّكاليف، ونموّ الإيرادات، وتحسين تجارب المستخدمين.
وفيما يتعلّق بصعود حلول تكنولوجيا المناخ، يرى بلوش أنّ التّركيز على مسائل الأمن الغذائيّ، وندرة المياه، وتحوّل مصادر الطّاقة قد أدّى إلى بزوغ مبدعين جددٍ يطوّرون حلولاً تستجيب بشكلٍ مباشرٍ للطّلب الطّويل الأمد لضمان مستقبلٍ قويٍّ ومستدامٍ. ويضيف: "لا أتوقّع لهذه الاتّجاهات أن تستمرّ فحسب، بل ستتسارع في عام 2025؛ فمع تكثيف الجهود من قبل الحكومات والمؤسّسات نحو الابتكار الرّقميّ، ستجذب الشّركات النّاشئة الّتي تقدّم أثراً قابلاً للقياس، سواءً كان ذلك من حيث زيادة الإنتاجيّة أو تقليل البصمات الكربونيّة، اهتماماً ورأس مالٍ جادٍّ".
كما يوضّح بلوش أنّ تقنيات الذّكاء الاصطناعيّ، والبلوك تشين، والويب 3 تعيد تشكيل ملامح الصّناعات واستراتيجيّات الاستثمار بسرعاتٍ فائقةٍ. فيقول: "لم يعد الذّكاء الاصطناعيّ مجرّد تعبيرٍ رنانٍ؛ إذ أصبح يتغلغل في كلّ مستوىً من مستويات الأعمال. ففي مجال اللّوجستيّات يسهّل الذّكاء الاصطناعيّ تحسين خطوط المسار، وفي القطاع الصّحيّ يسرّع عمليّات التّشخيص، وفي الميدان الماليّ يؤتمت إجراءات تقييم المخاطر. إنّ هذه الدّرجة من الكفاءة تحوّل نماذج الأعمال، فينتقل بها من تحسيناتٍ تشغيليّةٍ بسيطةٍ إلى عروضٍ وإيراداتٍ جديدةٍ كلّيّاً".
وبالطّبع، يترجم هذا التّحوّل في مشهد الأعمال إلى فرصٍ جديدةٍ، وفي ذات الوقت مخاطر، للمستثمرين. يقول بلوش: "بصفتي مستثمراً، يعني هذا أنّنا يجب أن نظلّ منفتحين ومرنين؛ فالأمر لا يتعلّق بالمراهنة على كلّ ضجّةٍ جديدةٍ، بل يتعلّق بتحديد الابتكارات الّتي تتناسب حقّاً مع متطلّبات السّوق، وتمتلك حاجزاً تنافسيّاً قويّاً، ومن ثمّ دعم المؤسّسين القادرين على تنفيذ تلك الرّؤى. إنّنا متحمّسون للغايةٍ للمؤسّسين وللشّركات الّتي دعمناها في هذه المجالات، وما سيقدّمه عام 2025 لهم وللاستثمارات الجديدة".
وفيما يخصّ شروق بالتّحديد، يؤكّد بلوش أنّ الاستراتيجيّة الاستثماريّة الجوهريّة للشّركة ستظلّ دون تغييرٍ، غير أنّها ستستمرّ في متابعة التّوجّهات التّكنولوجيّة النّاشئة القابلة للتّوسّع. فيقول: "مع اقترابنا من عام 2025، لن يتغيّر مبدؤنا القائم على تركيزنا على المؤسّسين؛ فالمبادئ الأساسيّة تبقى كما هي: دعم روّاد الأعمال المصمّمين على مواجهة المشاكل الواقعيّة باستخدام تقنيّاتٍ قابلةٍ للتّوسّع. ومع ذلك، فإنّ مفهوم "التّقنيّة القابلة للتّوسّع" سيظلّ يتسع مع تطوّر الذّكاء الاصطناعيّ، والبلوك تشين، وغيرها من الأدوات النّاشئة، وهي المجالات الّتي راهنّا عليها مبكّراً وبشكلٍ كبيرٍ. وعلى هذا الأساس، من المحتمل أن نضخّ مزيداً من رؤوس الأموال في حلولٍ تظهر قبولاً في آفاقٍ جديدةٍ".
وبينما يؤمن بلوش بازدهار الابتكار في المنطقة، يشير أيضاً إلى أنّ بعض الصّناعات لا زالت غير مستكشفةٍ بالشّكل الكافي. يقول: "بدأنا نلاحظ تدفّق رؤوس الأموال المغامرة إلى مجموعةٍ متنوّعةٍ من الصّناعات، وهذا أمرٌ يبعث على الحماس في جميع أنحاء النّظام الاقتصاديّ. وأتمنّى أن ينال قطاع التّقنيّات الصّحيّة اهتماماً أوسع، خاصّةً مع بروز اتّجاهاتٍ مثل الطّبّ عن بعدٍ، والتّشخيص بالذّكاء الاصطناعيّ، والرّعاية الشّخصيّة الّتي تمتلك القدرة على تحدّي النّماذج التّقليديّة ومعالجة التّحدّيات الفريدة للقطاع الصّحيّ في المنطقة. كما أشير إلى مجالي التّعليم التّقنيّ وتطوير القوى العاملة، خاصّةً في اللّغات واللّهجات المحلّيّة، لما لهما من إمكانيّةٍ في تجهيز الجيل القادم بالمهارات المستقبليّة. وختاماً، أبرز أهمّيّة الإنتاج الغذائيّ المستدام، وتحلية المياه، وحلول الطّاقة المتجدّدة المخصّصة لبيئة دول مجلس التّعاون الخليجيّ، داعياً إلى تخصيص موارد أكبر لمعالجة هذه المجالات الحيويّة بقوله: "المستثمرون الّتي يتقدّمون على هذه الصّناعات سيحقّقون تأثيراً جادّاً وعائداتٍ متميّزةً".
أمّا بالنّسبة للمستثمرين الرّاغبين في التّوسّع داخل دول مجلس التّعاون الخليجيّ، فإنّ بلوش يوصي ببناء علاقاتٍ محلّيّةٍ متينةٍ وفهمٍ دقيقٍ للفروق الثّقافيّة والإقليميّة. فيقول:
"إنّ نظام دول مجلس التّعاون الخليجيّ يقوم على العلاقات والثّقة والتّعاون، سواءً مع الحكومات المحلّيّة أو الشّركات أو قادة المجتمع. وينبغي على المستثمرين أن يركّزوا على بناء شراكاتٍ حقيقيّةٍ على الأرض. أسواقنا ديناميكيّةٌ ومتنوّعةٌ؛ فما ينجح في الإمارات قد يحتاج إلى تكييفٍ ليتناسب مع السّعوديّة أو مصر أو باكستان. لذا، يستحسن الاطّلاع على الدّراسات المتعمّقة حول الأنظمة التّنظيميّة والتّفضيلات الثّقافيّة".
ويشير بلوش إلى أنّ الصّبر ركيزةٌ أساسيّةٌ، إذ تجزي المنطقة أولئك الذين يركّزون على بناء شركاتٍ راسخةٍ وذات تأثيرٍ بعيد المدى جزاءً حسناً، على عكس مطاردة الأرباح السّريعة. وهذا صحيحٌ خاصّةً في دول مجلس التّعاون الخليجيّ، حيث تستثمر موارد ضخمةٌ في البنى التّحتيّة والابتكار.
وأخيراً، ينصح بلوش المستثمرين بأن "يبحثوا عن حلّالي المشكلات الحقيقيّين؛ ففي المنطقة تتوفّر رؤوس الأموال، إلّا أنّ الشّركات الّتي تبرز هي الّتي تواجه مشاكل كبرى وملحّةً، من الشّمول الماليّ إلى تقليل البصمات الكربونيّة، مستخدمةً التّقنيّات كعاملٍ أساسيٍّ في التّمكين".
وفي الختام، يؤكّد بلوش أنّ دول مجلس التّعاون الخليجيّ في عام 2025 مستعدّةٌ لنموٍّ كبيرٍ يقوده التّحوّل الرّقميّ، واعتناق الابتكار، ونضوج منظومة ريادة الأعمال. وكشخصٍ حظي بفرصة متابعة هذه التّحوّلات عن قربٍ في شروق، يؤكّد: "إنّ هذه المنطقة هي ميدانٌ تحظى فيه الأفكار الثّوريّة بمعانٍ حقيقيّةٍ، وقادرةٌ على التّوسّع بطرقٍ تفيد الجميع".
نُشرت هذه المقالة لأول مرة في عدد يناير/فبراير من مجلة "عربية .Inc". لقراءة العدد كاملاً عبر الإنترنت، يُرجى النقر هنا.