الرئيسية الذكاء الاصطناعي إشارات تُنذر بالخطر: هل بدأ الذكاء الاصطناعي باستبدالك؟

إشارات تُنذر بالخطر: هل بدأ الذكاء الاصطناعي باستبدالك؟

يعيد التّطوّر السّريع للذكاء الاصطناعي رسم مشهد التّوظيف، ممّا يفرض تحديّاتٍ جديدةً تتطلّب التّكيّف والابتكار للبقاء في المنافسة

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

تغيّرت حياتي بشكلٍ جذريٍّ عندما رأيت "تشات جي بي تي" (ChatGPT) لأوّل مرّةٍ. في تلك اللّحظة، أدركت دون أدنى شكٍّ أنّ مستقبلي ككاتب نصوصٍ تسويقيّةٍ وإعلانيّةٍ أصبح في مهبّ الرّيح، إذ شعرت وكأنّني سائق عربةٍ تجرّها الخيول يشاهد سيّارة "موديل تي" (Model T) تمرّ أمامه للمرّة الأولى، وتلك اللّحظة لم تكن مجرّد صدمةٍ، بل كانت بمثابة تنبيهٍ حاسمٍ لي.

واجهت هذا القلق بشأن الذكاء الاصطناعي وحدي تقريباً؛ لأنّ الآخرين لم يشاركوني مخاوفي، فكلّما تحدّثت عن مخاطر الذكاء الاصطناعي مع أحدٍ، كان الرّدّ مطمئناً وساخراً في نفس الوقت: "لا تقلق، الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الكتابة بروحٍ. وهل رأيت الصّور الّتي ينتجها؟ البشر فيها لديهم ستّة أصابع! نحن بخيرٍ ولن يحدث شيءٌ". ومع ذلك، مرّت الآن أكثر من سنتين منذ تلك اللّحظة، فهل أنا بخيرٍ؟ وهل نحن بخيرٍ حقّاً؟

الإجابة ليست واضحةً تماماً، ولكن ما يمكنني قوله هو أنّ عالم الكتابة التّجاريّة تغيّر بشكلٍ سريعٍ ومثيرٍ للقلق، ولا يزال يتغيّر يوماً بعد يومٍ، فالعديد من الكتّاب الّذين يعتمدون على الكلمة المكتوبة كمصدر رزقٍ يشعرون الآن بالقلق والخوف على مستقبلهم المهنيّ، أمّا بالنّسبة لمشكلة "الأصابع السّتّة" في الصّور الّتي كان ينتجها الذكاء الاصطناعي؟ لقد كانت مؤقّتةً جدّاً، ولم تستمرّ طويلاً، أليس كذلك؟

اليوم، الذكاء الاصطناعي ليس فقط قادراً على تحسين أدائه في الكتابة، بل أصبح أكثر مهارةً في إنتاج الصّور، والفيديو، والعديد من المهامّ الأخرى. ومع كلّ يومٍ يمضي، يصبح هذا التّطوّر أسرع وأقوى، ممّا يدفعنا جميعاً إلى التّفكير: كيف يمكننا مواكبة هذا التّقدّم السّريع؟

أصبح الذكاء الاصطناعي يتغلغل في حياتنا نحن الكتّاب والفنّانين بسرعةٍ متزايدةٍ، ولكنّه لا يزال في بدايات طريقه، فمن المحتمل أنّه بدأ بالفعل في التّوغّل داخل مجالك المهنيّ أيضاً، إذا كنت قادراً على تمييز العلامات الدّالّة على ذلك.

كيف تغيّرت الأمور بالنّسبة لي؟

عملت لأكثر من 20 عاماً ككاتب نصوصٍ تسويقيّةٍ ومستشار تسويقٍ بشكلٍ مستقلٍّ، إذ كُنت أغطّي كلّ شيءٍ تقريباً: كتابة محتوى المواقع الإلكترونيّة، والتّسويق المباشر، ورسائل البريد الإلكترونيّ للمبيعات، والرّسائل الرّسميّة، وحتّى الاتّصالات المؤسّسيّة. وقد اعتمدت في عملي على مزيجٍ من العملاء، حيث عملت مع بعضهم بعقودٍ طويلة الأجل، ولكن الجزء الأكبر من عملي على مرّ السّنين جاء من وظائف صغيرةٍ مع عملاء أصغر حجماً، ممّا وفّر لي دخلاً مستمرّاً وشبكةً متنوّعةً من المشاريع.

أحد أهمّ مجالات عملي كان كتابة الرّسائل، إذ كُنتُ بارعاً في هذا المجال بشكلٍ خاصٍّ. منذ عام 2004 وحتّى عام 2022، كتبت حوالي عشر رسائل شهريّاً، سواءً للشّركات أو للأفراد. وكان النّاس يجدون موقعي الإلكترونيّ، ويستأجرونني لكتابة الرّسائل لهم، ممّا كان يشكّل جزءاً مهمّاً من دخلي. والأهمّ من ذلك، أنّني كنت أستمتع بهذا النّوع من العمل. ولكن الآن، تغيّر كلّ شيءٍ. تُخمّن كم رسالةً أكتب شهريّاً؟ ربّما واحدةً فقط، وغالباً ما تكون لواحدٍ من عملائي الحاليّين.

- حسناً ما الذي حدث؟

بدأ الذكاء الاصطناعي يؤدّي دوره بشكلٍ تدريجيٍّ في مجال الكتابة، ممّا أحدث تغييراً عميقاً في طبيعة عملي، إذ أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرةً على كتابة الرّسائل، والمقالات، وحتّى المحتوى التّسويقيّ بجودةٍ مقبولةٍ، وتتحسّن يوماً بعد يومٍ. نتيجةً لذلك، بدأ الطّلب على خدمات الكتابة التّقليديّة الّتي أقدّمها بالتّراجع بشكلٍ ملحوظٍ.

هذه التّغييرات ليست مجرّد مسألة اختفاء بعض الوظائف، بل تعبّر عن تحوّلٍ جذريٍّ في السّوق بأكمله، فإذا كان الذكاء الاصطناعي قد استطاع أن يؤثّر على الطّلب في مجال الكتابة الّذي كُنتُ أعتبره آمناً ومستقرّاً، فمن المؤكّد أنّه سيؤثّر على قطاعاتٍ ووظائف أخرى بنفس الطّريقة.

السّؤال هنا ليس "هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي عليك؟"، بل "متى سيبدأ تأثيره في مجالك؟التّغيير قادمٌ، ويجب علينا أن نكون مستعدّين لمواكبته والتّكيّف معه.

أصبح الذكاء الاصطناعي السّبب الرّئيسيّ في تغيّر مشهد الكتابة التّجاريّة. اليوم، يستطيع أيّ شخصٍ أن ينتج رسالةً "مقبولةً" خلال 60 ثانيةً فقط باستخدام الذكاء الاصطناعي، ثمّ يجري عليها تعديلاتٍ بسيطةً لتناسب احتياجاته. حتّى المهامّ المعقّدة الّتي تتطلّب صياغةً دقيقةً لم تعد مستحيلةً، إذ يمكنك ببساطةٍ تقديم نسخةٍ أوّليّةٍ غير مرتّبةٍ للذكاء الاصطناعي، وسيقوم بفهم فكرتك الأساسيّة وتحويلها إلى نصٍّ جاهزٍ وقابلٍ للاستخدام، وغالباً بجودةٍ جيّدةٍ.

كيف تغيّرت الكتابة التّجاريّة؟

لم يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على كتابة الرّسائل فقط، بل اجتاح معظم أنواع الكتابة التّجاريّة. على سبيل المثال، كُنت في السّابق أكتب أوصاف المنتجات بشكلٍ احترافيٍّ، ولكنّ الذكاء الاصطناعي استحوذ على هذا المجال بالكامل. كذلك، اعتدت كتابة منشوراتٍ قصيرةٍ للمدوّنات، ولكنّها اختفت الآن من قائمة أعمالي؛ لأنّ الذكاء الاصطناعي يستطيع كتابتها بسرعةٍ وكفاءةٍ.

حتّى المشاريع الصّغيرة، الّتي كانت تُعتبر البوّابة للمشاريع الأكبر، لم تعد متاحةً. في الماضي، كُنتُ أكتب مقالاتٍ تسويقيّةً طويلةً، ثمّ أعدّ منها نسخاً تستهدف شرائح مختلفةً من الجمهور. كانت هذه المهامّ تستغرق ساعات عملٍ طويلةٍ، وكانت تحسب بعدد السّاعات المدفوعة. ولكنّ الآن، يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج 10 نسخٍ مختلفةٍ من النّصّ نفسه خلال ثوانٍ معدودةٍ، وبجودةٍ أصبحت منافسةً بشكلٍ كبيرٍ. هذا التّقدّم السّريع في التّكنولوجيا جعل يوم عملي اليوم مختلفاً تماماً عمّا كان عليه قبل 5 سنواتٍ.

رغم هذا التّحوّل الكبير، لم تختف كلّ جوانب عملي، فما زلت أحتفظ بمكانتي ككاتبٍ محترفٍ لديه أسلوبٌ مميّزٌ وشخصيّةٌ إبداعيّةٌ تجذب الشّركات الّتي تبحث عن حلولٍ فريدةٍ. بالإضافة إلى ذلك، امتلك رؤيةً تسويقيّةً شاملةً وقدرةً على التّفكير الاستراتيجيّ، وهي مهاراتٌ يصعب على الذكاء الاصطناعي أن يحاكيها بدقّةٍ.

ماذا يعني هذا لنا؟

يظهر هذا التّحوّل الكبير أنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرّد أداةٍ مساعدةٍ، بل أصبح قوّة تغييرٍ حقيقيّةً تُعيد تشكيل السّوق. مع ذلك، تبقى هناك مساحةٌ للمبدعين الّذين يستطيعون تقديم قيمةٍ إضافيّةٍ تتجاوز القدرات الآليّة، ولكن يجب علينا أن ندرك أنّ المهارات التّقليديّة وحدها لم تعد كافيةً، فعلينا تطوير أنفسنا باستمرارٍ، واستثمار مواهبنا في مجالاتٍ يصعب على التّكنولوجيا الاستحواذ عليهالذا، من الضّروريّ أن تسأل نفسك: هل أنت في مأمنٍ؟ وهل أنت واثقٌ من ذلك؟

ولكن ماذا عن الجيل الأصغر؟

سيحتاج الشّباب إلى التّكيّف مع عالم أعمالٍ يستحوذ عليه الذكاء الاصطناعي. لا أستطيع أن أجزم تماماً كيف سيبدو هذا العالم، ولكنّني بالاستناد إلى ما نراه الآن، أتوقّع أنّ تقريباً كلّ وظيفةٍ تعتمد على قواعد ونظمٍ محدّدةٍ ستتأثّر بالذكاء الاصطناعي. فهذه الوظائف تشمل المحاسبة، والمشتريات، وتكنولوجيا المعلومات، والقانون، والهندسة، وخدمة العملاء، وكلّ عملٍ يتطلّب الجلوس خلف مكتبٍ واستخدام لوحة مفاتيح.

في الحقيقة، لن يظهر الذكاء الاصطناعي تأثيره عن طريق استبدالك مباشرةً. بدلاً من ذلك، ستلاحظ تطوّراً تدريجيّاً في الأدوات الّتي تستخدمها يوميّاً، إذ ستصبح برامجك أكثر ذكاءً وكفاءةً، ممّا يجعل وظيفتك تبدو أسهل مع مرور الوقتهذه هي إشارة الإنذار الّتي يجب عليك مراقبتها: عندما تبدأ برامجك بأداء المزيد من المهامّ الّتي كُنت تنفّذها بمفردك.

لديّ تجربةٌ مماثلةٌ، فقبل سنواتٍ من انتشار الذكاء الاصطناعي بشكلٍ واسعٍ، كُنتُ أستخدم تطبيقاً خارجيّاً لتحسين القواعد النّحويّة، وكانت وظيفته الأساسيّة هي التّدقيق الإملائيّ. ولكن مع مرور الوقت، أصبح يقدّم اقتراحاتٍ أفضل وأكثر دقّةً في الكتابة. في البداية، كان يبدو كأداةٍ مساعدةٍ بسيطةٍ، ولكنّه تطوّر ليصبح أكثر فاعليّةً، وأصبح يؤدّي جزءاً من عملي بدلاً منّي.

ما الأمر الذي يجب أن تأخذه بعين الاعتبار؟

عليك أن تراقب العلامات، فعندما تلاحظ أنّ البرامج الّتي تستخدمها تؤدّي جزءاً أكبر من عملك، فهذا هو الوقت لتعيد التّفكير. في البداية، قد يبدو الأمر وكأنّه تحسينٌ بسيطٌ، ولكنّه مع الوقت قد يغيّر طبيعة عملك بالكامل، وربّما يقلّل من حاجتك إلى أداء المهامّ بنفسك.

يتغيّر العالم بسرعةٍ، وسيحتاج الجميع -خاصّةً الجيل الأصغر- إلى التّكيّف مع هذه التّحوّلات الكبرى في سوق العمل، فالمفتاح هو أن تلاحظ التّغييرات مبكّراً وأن تواكبها، إذ عليك أن تستثمر في تطوير مهاراتٍ جديدةٍ، وتركّز على الجوانب الّتي يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها. بهذه الطّريقة، ستبقى في أمانٍ في عالمٍ يتحكّم فيه الذكاء الاصطناعي بشكلٍ متزايدٍ.

زحف الذكاء الاصطناعي: هل أنت مستعدٌّ؟

شهد الذكاء الاصطناعي في السّنوات الأربع الماضية تطوّراً ملحوظاً، فلم يقتصر دوره على تصحيح الأخطاء الإملائيّة والنّحويّة فقط، بل تعدّى ذلك إلى اقتراح إعادة صياغة الجمل وحتّى تغيير النّبرة لتناسب المحتوى. وما يزيد من قيمة هذه المقترحات أنّها كانت غالباً دقيقةً ومجديةًلو أعطيت مزيداً من الانتباه في تلك المرحلة، لأدركت أنّ ذلك كان مجرّد بدايةٍ لانفجار الذكاء الاصطناعي. ففي تلك الفترة، كانت الأدوات تلمّح لما يمكن تحقيقه في المستقبل.

هل أصبحت أدواتك أكثر ذكاءً؟

تفقّد الأدوات الّتي تستخدمها يوميّاً: هل لاحظت أنّها أصبحت أكثر فاعليّةً وأكثر قدرةً على القيام بمهامٍّ إضافيّةٍ؟ غالباً، الإجابة نعم.

تخيّل هذا السّيناريو: يمكن لفريق تسويقٍ مكوّنٍ من 5 أفرادٍ أن يُستبدل بشخصٍ واحدٍ فقط، مدعومٍ ببرامج ذكاءٍ اصطناعيٍّ متطوّرةٍ، فهذه البرامج تستطيع القيام بكلّ شيءٍ: من البحث إلى تصميم الصّور، ومن إنتاج الفيديوهات إلى كتابة النّصوص، وكلّ ذلك عبر أوامر صوتيّةٍ أو تعليماتٍ بسيطةٍ. هذا المستقبل لم يعد بعيداً، بل إنّه يقترب بسرعةٍ، وربّما يصل إلى كلّ قسمٍ في شركتك. والسّؤال هنا: ماذا سيحدث لهؤلاء الأشخاص الآخرين؟ كيف سيواجهون هذا التّحوّل؟

عندما يتحدّث النّاس عن تأثير الذكاء الاصطناعي، يقول البعض بثقةٍ: "لقد حدث هذا من قبل، ستظهر وظائف جديدةٌ وسنكون بخيرٍ". ولكن، هل هذا صحيحٌ؟ أنا شخصيّاً لست مقتنعاً بذلك تماماً، فهذا النّوع من التّفكير يعتمد فقط على الأمل.

عندما يظهر محفّزٌ قويٌّ جديدٌ، قد يُعيد تشكيل كلّ شيءٍ. فكّر في الكوارث الطّبيعيّة خلال العقد الأخير: فيضانات، حرائق، أعاصير. هذه الأحداث، الّتي كانت تعتبر "نادرة الحدوث"، أصبحت تحدث بشكلٍ متكرّرٍ. وقد لاحظت شركات التّأمين هذا التّغيير، وأخذته بعين الاعتبار، فالتّفكير بأنّ "الأمور ستبقى بخيرٍ؛ لأنّها كانت كذلك في الماضي" هو تفاؤلٌ غير مضمونٍ، إذ لا توجد أيّ ضماناتٍ بأنّ السّوق سيوجد وظائف بديلةً بالسّرعة أو الطّريقة الّتي نحتاجها.

ماذا يمكنك أن تفعل؟

ابدأ بإتقان أدوات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بمجالك، فهذا أفضل ما يمكنك القيام به الآن، وهذا ما فعلته أنا. فبدلاً من مقاومة الذكاء الاصطناعي أو السّخرية من عيوبه، قرّرت أن أتعلّمه وأتقنه، إذ تعلّمت كيفيّة استخدام الأوامر والتّعليمات لتحصيل أفضل النّتائج، وهي مهارةٌ تعتمد على نفس القدرات الّتي جعلتني كاتب نصوصٍ مميّزاًأعتقد أنّ هناك حاجةً مستمرّةً لجسرٍ يربط بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في معظم المهن، على الأقلّ في المستقبل القريب. ونصيحتي لك: اسعَ لتكون أنت هذا الجسر.

رغم أنّ هذا الاتّجاه الجديد في عالم الأعمال لم يكن خياري الشّخصيّ، إلّا أنّني اخترت التّكيّف معه والاستفادة منه، وأدعو الجميع لاتّخاذ نفس النّهج.

الخلاصة: الذكاء الاصطناعي ليس تهديداً فقط، بل يمثّل فرصةً للتّطوّر، فعليك أن تتعلّم كيف تستفيد منه وأن تطوّر مهاراتك لتبقى ذا قيمةٍ في سوق العمل، إذ ينحصر المستقبل في من يتكيّف ويطوّر نفسه، فلا تنتظر أن يتوقّف التّغيير؛ لأنّه بكلّ بساطةٍ لن يتوقّف.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
آخر تحديث:
تاريخ النشر: